يلاحظ كثيرون في الأربعينات أن الجسم لم يعد يتصرف كما كان: يصعب إنقاص الوزن مع أن الطعام لم يتغير، ويستغرق التعافي من الجهد وقتًا أطول، ويظهر التعب عند حمل الأكياس أو صعود الدرج، وتشتكي الركبة والظهر من أشياء بسيطة. والتفسير الخفي في كثير من الحالات هو العضلات التي تتناقص بهدوء منذ الثلاثينات. وبحسب ما تلخصه مراجعات طبية عدة، يفقد البالغون الذين لا يمارسون تمارين القوة نحو ثلاثة إلى ثمانية بالمئة من كتلتهم العضلية كل عقد بعد سن الثلاثين تقريبًا، ويتسارع الفقد بعد الستين. والخبر السار أن العضلات من أكثر أنسجة الجسم استجابة للتدريب في أي عمر. وفي هذا المقال نشرح لماذا تهم القوة بعد الأربعين، وكيف تبدأ بخطة آمنة، وكم تحتاج من البروتين والراحة، ومتى تستشير الطبيب.

ماذا يحدث لعضلاتك بعد الثلاثين، وما معنى «ساركوبينيا» وهل هو مصير حتمي؟

تبلغ الكتلة العضلية والقوة ذروتها عادة في الثلاثينات المبكرة، ثم تتراجع ببطء. ويُسمى الفقد المرتبط بالعمر في الكتلة العضلية والقوة والأداء «ساركوبينيا» أو الوهن العضلي، وهو يصيب نسبة ملحوظة من كبار السن ويزيد خطر السقوط والكسور وفقدان الاستقلالية. ومن أسباب التراجع قلة الحركة، وانخفاض بعض الهرمونات، وما يسمى «مقاومة الابتنائية»، أي أن العضلات تصبح أقل كفاءة في تحويل البروتين الذي تأكله إلى عضلات جديدة.

وليس هذا مصيرًا حتميًا. فتجارب عشوائية، شملت حتى من في الثمانينات والتسعينات، أظهرت أن تمارين المقاومة التدريجية تزيد القوة والكتلة العضلية والوظيفة تحسنًا ملموسًا. وتوصي منظمة الصحة العالمية بتمارين تقوية العضلات يومين أو أكثر أسبوعيًا لجميع الفئات العمرية، ولكن من يريد حماية عضلاته فعلًا يحتاج إلى برنامج منظم يتدرج في الحمل، وليس مجرد حركة عشوائية.

ما الفوائد التي تتجاوز الشكل والعضلات في تمارين القوة بعد الأربعين؟

لعضلات أقوى أثر يتجاوز المظهر. فهي تحمي المفاصل بدعمها وتخفف الحمل عنها، وتحسّن التوازن وتقلل خطر السقوط، وتساعد على ضبط سكر الدم لأن العضلة مستهلك رئيسي للجلوكوز، وتدعم معدل الحرق فتعين على إدارة الوزن، وتحفز العظام على الاحتفاظ بكثافتها، وهذا مهم خاصة للنساء مع اقتراب سن انقطاع الطمث. وتشير دراسات إلى تحسن المزاج والنوم لدى من يمارسونها بانتظام.

كما أنها تحافظ على الاستقلالية في الحياة اليومية: حمل المشتريات، والنهوض من الكرسي، وصعود الدرج، واللعب مع الأحفاد، والسفر. وقد خصصنا للياقة العامة والمشي مقالًا في أول المدونة، أما هنا فنركز على القوة بوصفها استثمارًا طويل الأمد، مثل ادخار المال، كلما بدأت مبكرًا جنيت أكثر.

كيف تبدأ بأمان: التكرار والتدرج والأسلوب الصحيح للحركة؟

ابدأ بجلستين أسبوعيًا غير متتاليتين، ثم زد إلى ثلاث إن أحببت، فيكفي هذا للحصول على معظم الفائدة. وتستغرق الجلسة من أربعين إلى خمس وأربعين دقيقة تشمل إحماءً لخمس دقائق. وتُنفَّذ كل حركة في مجموعتين إلى ثلاث، وفي كل مجموعة ثمانية إلى اثني عشر تكرارًا بحيث تقترب في آخرها من التعب مع الحفاظ على شكل الحركة الصحيح، وترتاح دقيقة إلى دقيقتين بين المجموعات.

ومفتاح التقدم هو «التدرج في الحمل»: حين تصبح المجموعات سهلة، زد الوزن قليلًا أو التكرارات أو أبطئ الحركة. وابدأ بوزن خفيف لتتعلم الحركة، فالأسلوب أهم من الثقل. وإن استطعت أن تتعلم من مدرب مؤهل في الجلسات الأولى فهذا يوفر عليك إصابات كثيرة. ولا تقارن نفسك بالآخرين، فقياسك الوحيد هو تقدمك أنت مع الوقت.

ما الحركات الأساسية التي تغطي الجسم كله في جلسة واحدة؟

يمكن أن يقوم برنامج المبتدئ على ست حركات مركبة تعمل على مجموعات عضلية كبيرة. حركة القرفصاء بحمل ثقل أمام الصدر، وتدرب الساقين والأرداف والجذع. وحركة «ثني الورك» كالرفعة الميتة الرومانية بثقلين خفيفين، وتقوي الظهر والأرداف وخلفية الفخذين. وحركة الضغط، سواء ضغط الصدر بالأثقال أو الضغط بالجسم على الأرض أو على مرتفع، للصدر والكتفين والذراعين.

وحركة التجديف بشريط مطاطي أو ثقل لتقوية الظهر ومحاربة انحناء الكتفين الناتج عن الجلوس، وحركة الضغط فوق الرأس للكتفين، وحركة «حمل الحقائب» بالمشي حاملًا ثقلًا في كل يد لتقوية القبضة والجذع. وتفيد هذه الحركات في الحياة اليومية لأنها تحاكي حمل الأشياء ودفعها وسحبها. ويمكنك أن تؤديها بالأثقال اليدوية أو الأشرطة المطاطية في المنزل أو بالأجهزة في النادي، والوسيلة أقل أهمية من الاستمرار.

كم تحتاج من البروتين والنوم والراحة لتبني العضلات وتتعافى؟

العضلات تنمو أثناء الراحة وليس أثناء التمرين فقط. ولذلك يلزمك نوم كافٍ، وقد خصصنا له مقالًا، وأيام راحة بين جلسات القوة لكل مجموعة عضلية. وفي الغذاء، يحتاج بروتين الطعام إلى زيادة مع التقدم في العمر. فقد أوصت الجمعية الأوروبية للتغذية السريرية والتمثيل الغذائي بأن يوفر غذاء كبار السن الأصحاء ما لا يقل عن غرام إلى 1.2 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا، وهو أعلى من الحد الأدنى العام البالغ 0.8 غرام.

وتشير الأبحاث إلى فائدة توزيع البروتين على الوجبات، بنحو خمسة وعشرين إلى ثلاثين غرامًا في الوجبة، بدل حصره في العشاء. ومصادره: البيض واللبن والزبادي والجبن قليل الدسم والدجاج والسمك واللحوم الخالية من الدهن والبقوليات والعدس والمكسرات. وإن كنت تعاني من أمراض الكلى أو لديك حالة مزمنة فلا تزد البروتين دون استشارة الطبيب أو أخصائي التغذية. أما مكملات البروتين والكرياتين فليست ضرورية لمعظم الناس ويمكن الاستغناء عنها بالأكل الجيد.

ما الحالات التي تستدعي استشارة الطبيب قبل البدء، وكيف تتجنب الإصابات الشائعة؟

استشر طبيبك قبل أن تبدأ إذا كان لديك مرض قلبي أو ارتفاع ضغط غير منضبط أو سكري أو آلام صدر أو دوخة أثناء الجهد أو مشكلات مفاصل أو ظهر مزمنة أو هشاشة عظام أو كنت حاملًا أو بعد جراحة. وقد يوجهك إلى تمارين مناسبة أو إلى أخصائي علاج طبيعي. ولا تحبس أنفاسك أثناء رفع الثقل، فالزفير أثناء الجهد يحمي ضغط الدم، وهو أمر مهم خاصة لمن لديهم ضغط مرتفع.

وتجنب أخطاء المبتدئين: الإفراط في الوزن مبكرًا، وإهمال الإحماء، وتعويج الظهر أثناء الرفع، وتكرار التمارين على المجموعة العضلية نفسها يومين متتاليين، والتدريب بألم حاد. فالتعب العضلي في اليوم التالي طبيعي، أما الألم الحاد في مفصل أو الوخز في العصب فيستوجب التوقف. وأوقف التمرين فورًا واطلب الرعاية الطبية إن شعرت بألم صدر أو ضيق شديد في التنفس أو إغماء.

أسئلة شائعة عن تمارين القوة بعد الأربعين

هل سأصبح ضخمًا إذا رفعت الأثقال، خاصة النساء؟

لا. فبناء كتلة عضلية كبيرة يتطلب برنامجًا مكثفًا وتغذية خاصة ووقتًا طويلًا، وبرنامج الصحة المعتدل يمنحك جسمًا أقوى وأكثر تماسكًا. والنساء لديهن مستويات أقل بكثير من هرمون التستوستيرون، فلا يضخمن بسهولة.

هل أحتاج إلى الذهاب إلى النادي؟

لا، فالأشرطة المطاطية والأثقال اليدوية الخفيفة وحقيبة الظهر المحملة تكفي في البداية. والنادي مفيد لمن يحب البيئة الجماعية أو يريد أجهزة متنوعة وإشرافًا.

متى سأرى نتيجة؟

يلاحظ كثيرون زيادة القوة خلال أربعة إلى ستة أسابيع، حيث يتحسن التنسيق العصبي العضلي قبل زيادة الكتلة، ويظهر تغير الشكل خلال ثلاثة أشهر أو أكثر. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن استشارة الطبيب أو المدرب المؤهل، خاصة لمن لديه حالة صحية.